مازلنا في قلب الحرب... عقلية ترمب واستراتيجية الراعي الكذاب"
الحوار بتاريخ: 19.01.2026
مقدمة: حقبة الفوضى شرط ولادة العالم الجديد:
في لحظات التحول الكبرى، لا تكون الفوضى علامة الانهيار، بل شرط الولادة. هكذا قدّم ميخائيل عوض قراءته لمسار الأحداث في المنطقة والعالم، منطلقًا من فهم عميق للتاريخ بوصفه دورات، لا خطوطًا مستقيمة.
ما نعيشه اليوم، وفق هذا المنظور، ليس فوضى بلا أفق، بل حقبة انتقالية تتآكل فيها البنى القديمة قبل أن تتشكّل معادلات جديدة، تمامًا كما وصفها ابن خلدون، وكما عبّر عنها القرآن الكريم: «وتلك الأيام نداولها بين الناس».
أولًا: الحرب لم تنتهِ… نحن في قلب جولتها الأخيرة...حاكمية ميزان القوى والبيئة الاستراتيجية
يرى د.عوض أن التحولات المتسارعة عالميًا ليست في مصلحة الولايات المتحدة ولا إسرائيل.
والسيطرة الأميركية الكاملة على الشرق الأوسط وهمٌ إعلامي، إذ لم تستقر أي ساحة، ولم ينجح أي مخطط في التحول إلى واقع مستقر.
ويحلل الخطأ الأكبر في قراءة المشهد الراهن بأنه الاعتقاد بأن التصعيد الأميركي–الإيراني قد انتهى، أو أن المنطقة دخلت مرحلة تسويات مستقرة.
ما جرى، بحسب د عوض، ليس نهاية المواجهة، بل إدارة مؤقتة للتوتر عبر تكتيك معروف في أدبيات الحرب: التسخين والتبريد.
وترمب يعمل على رفع السقوف، التهديد بالضربة، حشد الإعلام والخبراء، ثم التراجع المؤقت… وهذه كلها أدوات في حرب نفسية هدفها:
- اختبار ردود الفعل
- إنهاك الخصم
- تخدير الرأي العام
- التحضير للجولة الحاسمة
وربما بحسب منطق ترمب هي إشارات وهمية وقنابل دخانية للإشغال بينما الهدف في مكان آخر.
الحرب، وفق هذا الفهم، لا تُحسم بجولة ولا بتصريح، بل بميزان القوى الكلي والبيئة الاستراتيجية، وهذه لم تستقر بعد وفق رؤية د.عوض.
ثانيًا: ترامب و«استراتيجية الراعي الكذاب»
ترامب يقود الولايات المتحدة خارج تقاليد الدولة العميقة، ويعتمد على دائرة ضيقة من السماسرة لا على المؤسسات.
"استراتيجية الأمن القومي" الحالية هي استراتيجية ترامب الشخصية، لا استراتيجية الدولة الأميركية، وهذا تحول بنيوي خطير. ولذلك يُخطئ من يقرأ دونالد ترامب بعقل الدولة الأميركية التقليدية.
ترامب، كما يصفه د.عوض، لا يعمل ضمن منطق المؤسسات، بل خارجها، معتمدًا على شخصية “الرجل المجنون” في التفاوض والحرب. وما يميّز المرحلة الحالية:
- غياب دور مجلس الأمن القومي الأميركي
- تهميش وزارة الخارجية والبنتاغون
- صعود السماسرة ومندوبي الصفقات
- تحوّل “استراتيجية الأمن القومي” إلى وثيقة شخصية باسم ترامب
هذه ليست أميركا الدولة العميقة، بل أميركا الترامبية، وهي أكثر تهورًا، لكنها أيضًا أكثر هشاشة.
ثالثًا: إسرائيل… من مركز الهجوم إلى عقدة الخوف
من أهم ما ورد في اللقاء هو تفكيك صورة “إسرائيل القوية”.
فمن المستغرب ان يستمر التهويل بعنوان إسرائيل القوية المهيمنة في زمن اعتراف ترامب نفسه بأنه “أنقذ إسرائيل من التدمير” الاعتراف الأميركي بأن إسرائيل كانت مهددة بالتدمير، وطلب نتنياهو التراجع عن الضربة على إيران إن صح، دليل على اختلال الردع. عبارة ترمب ليست زلة لسان، بل إقرار استراتيجي بأن:
- الردع الإسرائيلي تآكل
- الجبهة الداخلية مهزوزة
- نتنياهو بات عبئًا لا أصلًا استراتيجيًا
ولهذا يربط د.عوض بين مصير نتنياهو ومصير إسرائيل نفسها مؤكدا" أن هزيمة نتنياهو ليست تغيير حكومة، بل بداية أزمة وجودية للمشروع الإسرائيلي.وإذا فشلت الجولة الحالية، فسنكون أمام بداية العدّ التنازلي لنهاية المشروع الإسرائيلي بصيغته الحالية.
رابعًا: لماذا إيران هي العقدة المركزية؟
وفق منهج د.عوض فإيران ليست مستهدفة فقط لأنها “خصم”، بل لأنهانموذج حكم غير خاضع للغرب؛ دولة ذات طابع حضاري–قومي مستقل،
ولاعب يملك جغرافيا وتحالفات وقدرة على الصمود.
وبالتالي إسقاط إيران وهو هدف لا رجعة عنه لترمب، إن تحقق، يعيد تشكيل الشرق الأوسط كله.أما فشل إسقاطها، فسيعني بالضرورةاستعادة نفوذها الإقليمي بأضعاف ما كان،انقلاب موازين القوى في العراق وسوريا، ودخول إسرائيل مرحلة التفكك الداخلي
ولهذا لا يمكن أن تكون هذه الحرب “نصف حرب” كما أدار المحور حرب الإسناد.
خامسًا: الصين… اللاعب الصامت في قلب المعركة
في العمق، يرى د عوض أن الحرب تستهدف الصين أكثر مما تستهدف روسيا.
فالتحكم بالنفط، بالممرات البحرية، وبسلاسل الإمداد، هو أداة خنق لصعود الصين العالمي.
لهذا تدعم الصين إيران دون ضجيج، ولكنها لا تخوض حربًا مباشرة فلا أحد يقاتل نيابة عن أحد، إنما الصين تعوّض الخسائر وتمنع الانهيار.
وذلك لأن الصين تفهم أن سقوط إيران هو كسر للخاصرة الاستراتيجية الآسيوية وهو ما لن تقبله بأي حال.
سادسًا: سوريا… فوضى مُدارة لا دولة مستقرة
في ملف سوريا يرى د.عوض أن لا تسوية نهائية حتى الآن، بل إدارة فوضى.
توماس باراك، ممثل ترامب، لا يتعامل مع دول بل مع “مساحات”، محاولًا فرض توزيع نفوذ. ويفكك د.عوض خارطة النفوذ التي تك الاتفاق عليها وهي:
- جنوب لإسرائيل
- شمال لتركيا
- شرق لأميركا
أما الساحل منطقة مائعة عازلة.
لكن الخارطة شيء وأن تتحول إلى إحداثيات واقعية على الأرض شيء آخر فتعقيد المجتمع السوري وتشابك اللاعبين إضافة إلى تناقض المشاريع يجعل التنفيذ مستحيلًا حتى اللحظة.
وتركيا وإن كانت حققت مكاسب تكتيكية، لكنها غير قادرة على حمل عبء وراثة النظام الإقليمي خاصة أنها على قائمة ترمب لتصفية الحسابات بعد أن تنهي دورها الذي كلفها به.
سابعًا: لبنان… السلاح هو آخر خطوط الدفاع
في لبنان، يرى د.عوض أن المسألة أوضح وأخطر.
فالهدف المعلن تفكيك عناصر القوة،نزع سلاح المقاومة،
وإدخال البلد في توزيع نفوذ مرحلي.
وهنا يحذّر د عوض بوضوح أن
أي تفريط بالسلاح هو تفريط بالكيان نفسه، وفتح الباب أمام سيناريو شبيه بسوريا، لا “دولة سلام”.
مؤكدا أن التقسيم ليس قدرًا، لكن التفكك يصبح حتميًا حين تُفرَّغ الدول من عناصر قوتها.
خاتمة: منتصر واحد فقط... لا تسويات في الحروب الوجودية
يختتم د.عوض الحوار بتوصيف دقيق للأحداث فما نعيشه ليس حرب تعديل شروط، بل حرب إلغاء أو بقاء.
لا حلول وسط، ولا نهايات ناعمة.
سيخرج منها منتصر وحيد فيفرض حقبة جديدة تسود فيها وتشرق شمسه لزمن طويل
وخاسر واضح ينتفي احتمال بقاؤه وتغرب شمسه لزمن طويل.
المنطقة والعالم تعيش مرحلة انقلاب تاريخي طويل.
الخطأ ليس الخروج عن المألوف في الخطة الأمريكية والإسرائيلية، بل في العمى الاستراتيجي.
ومن لا يفهم طبيعة هذه الحرب، سيجد نفسه خارج الزمن و التاريخ.
بتاريخ: 20.01.2026
لمتابعة الحلقة كاملة على الرابط
https://youtu.be/dNCGOIHqFs?si=HNA1k1etY1iBZEBv